أحمد مصطفى المراغي
20
تفسير المراغي
المعنى الجملي لا يزال الحديث مع أهل الكتاب ، فإنه ذكر عنهم أوّلا أنهم يفرقون بين اللّه ورسله فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ، ثم انتقل إلى ذكر شئ من عنادهم وإعناتهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم وطلبهم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، وبيّن أنه لا غرابة في ذلك فقد شاغبوا موسى من قبله وسألوه ما هو أكبر من ذلك ، ثم ذكر كفرهم بعيسى عليه السلام وبهتهم أمّه ومحاولتهم قتله وصلبه ، وفي كل هذا دليل على تأصل العناد فيهم ، ولولا ذلك لما شاغبوك ، فإن الدليل على نبوتك أوضح مما يدّعون الإيمان بمثله ممن قبلك - وهنا ختم الكلام في محاجتهم ببيان أن الوحي جنس واحد ، ولو كان إيمانهم بالرسل السابقين صحيحا لما كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . الإيضاح ( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) الوحي لغة : الإيماء والإشارة كما قال تعالى : « فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا » والإلهام الذي يقع في النفس كما قال : « وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ » وما يكون غريزة دائمة كما قال : « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ » والإعلام في خفاء بأن تعلم إنسانا بأمر تخفيه على غيره كما قال : « شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ » . ووحي اللّه إلى أنبيائه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل اللّه بواسطة أو بغير واسطة ، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت ، ويفرق بينه